مع مطلع عام 2026، أعادت وسائل الإعلام البريطانية فتح ملف حساس للغاية، محذّرة من أن تقنيات الذكاء الاصطناعي المتقدمة قد تخفض العتبة المعرفية اللازمة لتطوير أسلحة بيولوجية، بل وتطرّقت بعض التحليلات إلى سيناريوهات قصوى تتحدث عن عوامل مُمرِضة قد تُصمّم نظريًا لاستهداف خصائص بشرية مثل العرق أو الجنس.
هذه المخاوف ليست جديدة، فقد أثارتها الجمعية الطبية البريطانية منذ سنوات، محذّرة من أن التقدّم السريع في علم الجينوم قد يفتح، في حال غياب الضوابط الأخلاقية والتشريعية، الباب أمام سوء استخدام المعرفة الوراثية لأغراض عدائية أو تمييزية. وأكدت الجمعية أن الخطر لا يكمن في العلم نفسه، بل في إمكانية توظيفه خارج الإطار الطبي والإنساني، مشددة على ضرورة الرقابة الصارمة لمنع أي انحراف يحوّل أدوات التشخيص والعلاج إلى وسائل إقصاء أو أذى جماعي، لكن السؤال اليوم ليس عن إمكانية التخيل، بل عن القدرة العلمية الفعلية لتحقيق ذلك.
فكرة «السلاح الجيني» انبثقت من تصور مبسّط يرى إمكانية تقسيم البشر وراثيًا إلى أعراق محددة، لكن الدراسات الجينومية أثبتت أن البشر يتشاركون أكثر من نسبة كبيرة من مادّتهم الوراثية، وأن الفروق الجينية داخل المجموعة نفسها غالبًا ما تفوق الفروق بين المجموعات المختلفة، ما يجعل العرق مفهومًا اجتماعيًا ثقافيًا أكثر من كونه تصنيفًا وراثيًا صالحًا للاستهداف البيولوجي.
الذكاء الاصطناعي ساهم في تسريع العلم الحيوي وتحليل الجينوم وتحسين اكتشاف الأدوية ودعم الطب الدقيق والعلاج الموجّه، لكن بحسب مراجعات علمية حديثة نشرت بين عامي 2024 و2025، فإن هذه التطورات لا تمنح سيطرة مطلقة على البيولوجيا، ولم تُظهر الأبحاث قدرة واقعية على تصميم عوامل بيولوجية تستهدف عرقًا محددًا بدقة يمكن ضبطها، ما يجعل فكرة الأسلحة الجينية الموجّهة امتدادًا لخيال علمي قديم بلباس تقني جديد.
تواجه فكرة السلاح الجيني عقبات علمية رئيسة تتمثل في التداخل الجيني الكبير بين البشر وغياب أي بصمة وراثية نقية لأي مجموعة، وتعقيد الشبكات البيولوجية التي تتأثر بالمناعة والبيئة ونمط الحياة، إضافة إلى الطبيعة المتحوّلة للعوامل المُمرِضة التي تجعل التحكم بسلوكها وانتشارها أمراً غير قابل للضبط، ما يؤكد أن الفكرة تبقى نظرية إعلامية أكثر منها واقعًا علميًا.
القلق الحقيقي لا يكمن في العلوم نفسها بل في إمكانية سوء استخدام المعرفة، إذ يمكن أن تسهّل بعض المراحل مثل البحث أو التخطيط، وهذا ما أكدت عليه منظمة الصحة العالمية في تحديثها للأمن البيولوجي لعام 2025، مشيرة إلى أن الخطر الأكبر على البشرية يظل في الأوبئة الطبيعية، وأن تقوية أنظمة الرصد الصحي والاستجابة السريعة هي خط الدفاع الأول.
وفي هذا السياق، تبدو مقولة رئيس الوزراء البريطاني الأسبق ونستون تشرشل بالغة الدلالة: الخوف رد فعل، أما الشجاعة فقرار. الخوف من التكنولوجيا مفهوم، لكن تحويله إلى ذعر قد يكون أخطر من التكنولوجيا نفسها. والقرار الحكيم يكمن في الحوكمة وليس في الهلع، من خلال وضع تشريعات علمية دقيقة، وتعاون دولي عابر للحدود، وأنظمة صحية قوية، وحوكمة أخلاقية واضحة للذكاء الاصطناعي.
الخلاصة أن العلم لا يُرعب، بل سوء استخدامه هو ما يُثير المخاطر. والذكاء الاصطناعي قد يطرح الأسئلة القديمة بلغة جديدة، لكنه لا يغيّر قوانين البيولوجيا. أما «السلاح الجيني» الموجّه نحو الأعراق فيبقى وفق المعطيات العلمية الحديثة فرضية إعلامية مثيرة وليست تهديدًا علميًا وشيكًا، والتحدي الحقيقي يكمن في إدارة العلم بمسؤولية، ليظل أداة لحماية الإنسان لا لإفنائه.

