تُعدّ ادارة الموارد البشرية في المؤسسات مجالاً حيوياً يمكن للذكاء الاصطناعي أن يُحدث فيه أثراً تشغيلياً كبيراً. ويجري حالياً دمج هذه التقنية في العمليات اليومية، في أنشطة مثل الإجابة على استفسارات الموظفين ودعم التدريب. ويظهر الأثر الأوضح عندما تستطيع المؤسسات قياس نتائج هذه التقنية، عادةً من خلال الوقت المُوفّر وعدد الاستفسارات التي تمّ حلّها بنجاح.
عدد أقل من التذاكر، والمزيد من الإجابات من المرة الأولى
صُمم نظام AskHR، وهو وكيل افتراضي داخلي من شركة IBM، للتعامل مع استفسارات الموظفين وأتمتة إجراءات الموارد البشرية الروتينية. وتُشير IBM إلى أن AskHR يُؤتمت أكثر من 80 مهمة داخلية في مجال الموارد البشرية، وقد أجرى أكثر من مليوني محادثة مع الموظفين سنويًا. ويعتمد النظام على نهج ثنائي المستويات، حيث يتولى الذكاء الاصطناعي حل المشكلات الروتينية، بينما يتولى الموظفون البشريون معالجة الحالات الأكثر تعقيدًا.
وتشير الشركة إلى بعض الفوائد التشغيلية: معدل نجاح بنسبة 94٪ في الإجابة على الأسئلة الشائعة، وانخفاض بنسبة 75٪ في عدد تذاكر الدعم المقدمة منذ عام 2016، والرقم الرئيسي – انخفاض بنسبة 40٪ في تكاليف التشغيل للموارد البشرية على مدى أربع سنوات.
كفاءة التوظيف والتأهيل
يشرح التقرير السنوي لشركة فودافون لعام 2024 منصة داخلية أطلقت عليها الشركة اسم ” انمو مع فودافون “. وتقول الشركة إنها قلّصت مدة التوظيف من 50 يومًا إلى 48 يومًا، وجعلت عملية التقديم للوظائف أبسط، وأضافت توصيات وظيفية شخصية معتمدة على مهارات المتقدمين للوظيفة. وقد أدى ذلك إلى انخفاض بنسبة 78% في الأسئلة التي يطرحها المتقدمون المحتملون والموظفون الجدد.
كما تمتلك الشركة أداة عالمية لتخطيط القوى العاملة تقلل من العمل اليدوي اللازم لتجميع البيانات الضرورية، بالإضافة إلى وجود “بحيرة بيانات” عالمية للموارد البشرية مدعومة بالذكاء الاصطناعي تعمل على توحيد لوحات المعلومات وتقليل الحاجة إلى إعداد التقارير اليدوية – ويمكن لأصحاب المصلحة الغوص في البيانات بأنفسهم واستخراج الرؤى التي يحتاجونها.
التدريب والدعم الداخلي
تواجه الشركات الكبرى تحديات في تسريع تأهيل الموظفين الجدد، فيما يُعرف بـ”الوقت اللازم لاكتساب الكفاءة”. ويصف قسم الأخبار في بنك أوف أمريكا كيف تستخدم “الأكاديمية”، وهي منظمة متخصصة في تدريب الموظفين الجدد وتطويرهم المهني، الذكاء الاصطناعي في التدريب التفاعلي، حيث يُجري الموظفون أكثر من مليون محاكاة سنويًا.
تُشغّل المؤسسة نظام ” إريكا للموظفين “، وهو مساعد داخلي يُعنى بمواضيع مثل التأمين الصحي وكشوف المرتبات والنماذج الضريبية للموظفين. يستخدمه أكثر من 90% من الموظفين، وبالنسبة لقسم دعم تكنولوجيا المعلومات، فإنّ استخدام “إريكا” لفرز الحالات يُحدث فرقًا كبيرًا، حيث انخفضت المكالمات الواردة بأكثر من 50%.
تُقلل هذه الأدوات من العمل الداخلي (البحث، وتكرار الأسئلة، وانتظار الإجابات) وما يرتبط به من تكاليف. إضافةً إلى ذلك، يُعدّ تقليص الوقت اللازم لاكتساب الكفاءة أمراً بالغ الأهمية، لا سيما في البيئات التي تتطلب التعامل المباشر مع العملاء.
العمل في الخطوط الأمامية لدى الشركات الكبرى
يُشير التحديث المؤسسي لشركة وول مارت الصادر في يونيو 2025 إلى إطلاق أدوات الذكاء الاصطناعي عبر تطبيق موظفيها ، والتي تتضمن أداة لإدارة سير العمل تُحدد أولويات المهام وتُوصي بها. في وقت النشر، كانت النتائج الأولية لا تزال في مراحلها الأولى، ولكن بناءً على النتائج الأولية، تُفيد وول مارت بأن قادة الفرق ومديري المتاجر بدأوا يلاحظون انخفاضًا في أوقات تخطيط الورديات من 90 إلى 30 دقيقة.
باعتبارها جهة توظيف تضم قوة عاملة متنوعة، تُعدّ قدرة تطبيقها على الترجمة الفورية (44 لغة) ذات قيمة لا تُقدّر. وتعمل الشركة حاليًا على تحديث برامج موظفيها باستخدام الذكاء الاصطناعي لتحويل أدلة العمليات الداخلية إلى تعليمات متعددة اللغات. ويستخدم النظام أكثر من 900 ألف موظف أسبوعيًا، مع أكثر من ثلاثة ملايين استفسار يوميًا عبر منصة الذكاء الاصطناعي التفاعلية الخاصة بالموظفين.
إن كفاءة القوى العاملة على نطاق وول مارت مثيرة للإعجاب، ولكن بالنسبة لأي شركة مهما كان حجمها، توجد مزايا واضحة يمكن جنيها من توفير توجيه أسرع ودعم أفضل للموظفين ضمن فرق متعددة اللغات. فبالإضافة إلى التوفير الفوري في التكاليف، يؤثر هذا النوع من البرامج سهل الاستخدام والفعال على معدلات الاحتفاظ بالموظفين، ومعايير السلامة، وجودة الخدمة – وكلها تصب في مصلحتهم.
الحوكمة وشبكات الأمان البشري
يصف منشور بنك HSBC متعدد الجنسيات، بعنوان ” تحويل HSBC باستخدام الذكاء الاصطناعي “، أكثر من 600 حالة استخدام للذكاء الاصطناعي قيد التشغيل في الشركة، ويشير إلى أن الموظفين لديهم إمكانية الوصول إلى أداة إنتاجية قائمة على برنامج إدارة التعلم (LLM) لمهام مثل الترجمة وتحليل المستندات. في بيئة تُعدّ فيها الحوكمة وأمن البيانات من أهم الأولويات، يتم ضمان التزام جميع الأنظمة الآلية بالمعايير واللوائح المعمول بها، وهو أمر يتم فرضه من خلال مجالس مراجعة الذكاء الاصطناعي المتخصصة وأطر إدارة دورة حياة الذكاء الاصطناعي.
الى أين يقودنا هذا؟
في المحصلة، تُظهر هذه النماذج الواقعية أن الذكاء الاصطناعي في إدارة الموارد البشرية لم يعد مبادرة تجريبية أو أداة لتحسين الصورة المؤسسية، بل أصبح مكوّنًا تشغيليًا مباشرًا يحقق تحسينات ملموسة في الوقت والتكلفة، ويُحسّن تجربة الموظف داخل المؤسسة. غير أن القيمة الحقيقية لا تتحقق من الأتمتة وحدها، بل من التكامل المدروس بين الذكاء الاصطناعي والخبرة البشرية، مدعومًا بحوكمة واضحة وبيانات موثوقة. فالمؤسسات التي تنجح في هذا التوازن لا تكتفي بتقليل الأعباء التشغيلية، بل تعيد تعريف دور الموارد البشرية كوظيفة استراتيجية أكثر سرعة، وعدالة، وقدرة على دعم النمو في بيئات عمل متزايدة التعقيد والتنوع.
