يشهد العالم اليوم تغيرًا واضحًا في طبيعة سوق العمل مع الانتشار المتسارع لتقنيات الذكاء الاصطناعي التوليدي، حيث أصبحت الشركات تواجه تحديات وفرصًا جديدة في آن واحد. بينما يخشى بعض الموظفين من استبدالهم بالأنظمة الذكية، تسعى المؤسسات إلى استقطاب الكفاءات القادرة على التعامل بفعالية مع هذه التقنيات المتطورة.
وفي الوقت الذي تشير فيه بعض الشركات إلى تقليص عدد موظفيها، تعمل شركات أخرى على توسيع فرقها من خلال توظيف مختصين في الذكاء الاصطناعي، وخصوصًا في علم البيانات وهندستها، وهما من أكثر التخصصات طلبًا حاليًا.
ولتقييم التأثير الفعلي للذكاء الاصطناعي على التوظيف، أجرت شركة ماكينزي للاستشارات دراسة شاملة شاركت فيها مجموعة كبيرة من الشركات، وأصدرت تقريرًا بعنوان حال الذكاء الاصطناعي في عام 2025: الوكلاء والابتكار والتحول، يرصد كيف تعتمد المؤسسات الذكاء الاصطناعي وتأثيره المباشر على سوق العمل.
واستند التقرير إلى استطلاع إلكتروني أُجري خلال شهري يونيو ويوليو 2025، شمل نحو ألفين مشارك من أكثر من مئة دولة، يمثلون شركات مختلفة في الحجم والقطاع. وأظهرت النتائج أن أقل من خمس المشاركين أفادوا بانخفاض يتجاوز ثلاثة في المئة في عدد موظفيهم خلال العام الماضي، بينما لاحظ عدد أقل أن الذكاء الاصطناعي ساعد على زيادة التوظيف في مجالات محددة.
وتتوقع الشركات أن يتسارع تأثير الذكاء الاصطناعي في التوظيف خلال العام المقبل، إذ يتوقع ثلث المشاركين انخفاضًا في عدد موظفيهم، مقابل نسبة أكبر لا تتوقع أي تغيير، ونسبة أخرى تتوقع زيادة التوظيف في أدوار محددة. كما أظهرت البيانات أن الشركات الكبيرة أكثر ميلاً لتقليص القوى العاملة مقارنة بالشركات الصغيرة، فيما تتوقع المؤسسات التي استثمرت بعمق في الذكاء الاصطناعي تغييرات واسعة سواء بزيادة أو نقصان في عمليات التوظيف تبعًا لنوع الوظائف المتأثرة.
وأوضحت الدراسة أن القطاعات التي تعتمد على الذكاء الاصطناعي بانتظام تشهد تراجعًا في طلب بعض الوظائف التقليدية مثل خدمة العملاء والموارد البشرية والمبيعات والتسويق، بينما ارتفع الطلب على أدوار تقنية متقدمة تشمل علماء بيانات الذكاء الاصطناعي، مهندسي البيانات، مهندسي التعلم الآلي، مهندسي البرمجيات، ومديري ومنسقي منتجات الذكاء الاصطناعي.
وأوضحت Lareina Yee الشريكة الإدارية ومديرة معهد ماكينزي العالمي أن الذكاء الاصطناعي ما يزال في مراحله الأولى داخل كثير من المؤسسات، ما يجعل من الصعب تحديد تأثيره النهائي على حجم الوظائف وطبيعتها، لكنها أكدت أن التحول في المهارات المطلوبة أصبح واضحًا بالفعل.
وقالت Lareina Yee إن الوظائف مثل المسوقين الرقميين أصبحت تحتاج إلى دمج الذكاء الاصطناعي ضمن سير العمل اليومي، وأضافت أن نحو ثلث المشاركين يتوقعون انخفاضًا في عدد الموظفين، بينما لاحظ آخرون زيادة في التوظيف خلال العام الماضي في مجالات مثل تكنولوجيا المعلومات وسلاسل التوريد والمبيعات. وأشارت إلى أن توسع تبني الذكاء الاصطناعي سيزيد من أهمية بعض الوظائف بدل أن تختفي، فالنجاح في هذا المجال يتطلب جاهزية عالية للتعامل مع البيانات الكبيرة وتقنيات التعلم الآلي، مما يدفع الشركات الكبرى إلى تكثيف التوظيف في أدوار قادرة على دمج البيانات ونمذجتها وتطبيقها على نطاق واسع.
تُظهر نتائج دراسة ماكينزي أن الذكاء الاصطناعي لا يلغي الوظائف بقدر ما يعيد تشكيلها، فاتحًا المجال أمام تخصصات جديدة ومهارات متطورة ستحدد مستقبل العمل في السنوات القادمة.

