قبل ستة أشهر فقط، كان كثير من المحللين ينظرون إلى قطاع الذكاء الاصطناعي باعتباره فقاعة استثمارية جديدة على وشك الانفجار، مع تدفق مليارات الدولارات إلى مشاريع عملاقة لبناء مراكز بيانات حول العالم دون وضوح حقيقي حول مستقبل الأرباح. وقتها قورنت هذه الموجة بفقاعة الدوت كوم الشهيرة، وحتى بطفرة السكك الحديدية في القرن التاسع عشر، فيما عبّر عدد من قادة القطاع، من بينهم الرئيس التنفيذي لشركة OpenAI سام ألتمان، عن قلقهم من هذا الحماس المفرط.
لكن الصورة تبدلت بسرعة لافتة خلال عام 2026، بحسب تحليل موسع نشرته The Atlantic، حيث انتقل الذكاء الاصطناعي من كونه مجرد أداة تجريبية أو تقنية مسلية إلى عنصر أساسي يعيد تشكيل طريقة العمل والإنتاج في قطاعات متعددة.
وجاءت نقطة التحول مع إطلاق أدوات متقدمة مثل Claude Code من شركة Anthropic، والتي ساهمت في رفع مستوى الأداء بشكل كبير، إذ أصبح بإمكان المطورين إنجاز مهام برمجية معقدة خلال ساعات قليلة بدل أيام أو أسابيع، ما أحدث تغييرا جذريا في مفهوم الإنتاجية داخل شركات التقنية.
هذا التطور انعكس مباشرة على نتائج الشركات العاملة في هذا المجال، حيث سجلت شركات الذكاء الاصطناعي الأمريكية نموا سريعا في الإيرادات وصل في بعض الحالات إلى مستويات غير مسبوقة، مقارنة بفترات النمو التاريخي لشركات كبرى مثل جوجل وفيسبوك وزووم خلال بدايات الجائحة.
وبحسب التحليل نفسه، تمكنت شركات مثل Anthropic من الاستفادة من هذه الطفرة عبر مضاعفة إيراداتها السنوية في وقت قياسي، مع قدرة واضحة على مواكبة الطلب المتزايد على خدمات الذكاء الاصطناعي المتقدمة.
وفي موازاة ذلك، برزت شركات الحوسبة السحابية ومصنّعو الشرائح الإلكترونية مثل Nvidia وMicron كأكبر الرابحين، بعدما ارتفعت مبيعاتهم بشكل كبير نتيجة الضغط الهائل على مراكز البيانات ونقص القدرة الاستيعابية للبنية التحتية الرقمية.
أما على مستوى الاستخدام المؤسسي، فقد شهدت الفترة نفسها قفزة كبيرة في تبني أدوات الذكاء الاصطناعي المدفوعة داخل الشركات الأمريكية، حيث ارتفعت نسبة المؤسسات التي تمتلك اشتراكات رسمية من 25% مطلع 2025 إلى أكثر من 50% بحلول منتصف 2026، وهو ما يعكس تحولا من الخوف من فائض البنية التحتية إلى القلق من ندرة الموارد التقنية.
وفي قطاع تطوير البرمجيات تحديدا، ظهر التأثير بشكل أوضح، إذ باتت الفرق الصغيرة قادرة على مضاعفة إنتاجها عدة مرات بفضل أدوات التكويد الذكية، التي خففت من عبء العمل وسرّعت عمليات التطوير بشكل كبير.
كما أشارت تقارير أكاديمية حديثة إلى أن الذكاء الاصطناعي أصبح قادرا على إنجاز أكثر من 65% من المهام الكتابية والمعرفية التي كانت تستغرق ساعات طويلة من العمل البشري، مقارنة بنسبة لم تتجاوز 50% في العام السابق، ما يعكس تسارعا واضحا في قدراته.
ورغم هذا التقدم، لا تزال التساؤلات قائمة حول استدامة هذا النمو، خاصة مع احتمالية تشبع سوق البرمجة، وإمكانية انتقال التحدي إلى قطاعات أخرى مثل القانون والتسويق والأعمال الكتابية التي يصعب فيها قياس الأداء بدقة.
وفي المقابل، لم تختف المخاوف من احتمال انفجار فقاعة جديدة بالكامل، خصوصا مع استمرار ضخ رؤوس أموال ضخمة في القطاع دون تحقيق أرباح صافية واضحة حتى الآن.
لكن الجانب المتفائل يرى أن المسار الحالي للذكاء الاصطناعي لا يزال في بدايته، مستندا إلى توقعات بحثية تشير إلى إمكانية وصول هذه التقنيات إلى إنجاز ما بين 80% و95% من المهام المكتبية بحلول عام 2029، وهو ما قد يعيد رسم خريطة العمل العالمية بشكل جذري خلال السنوات المقبلة.

