تنفق الشركات حول العالم مبالغ ضخمة على تطوير واعتماد أدوات الذكاء الاصطناعي بهدف رفع كفاءة الموظفين وتسريع الإنتاجية، إلا أن الواقع يكشف فجوة واضحة بين الإمكانات المتاحة وطريقة الاستخدام الفعلية داخل بيئات العمل، وفق تقرير حديث أشار إلى أن شريحة واسعة من الموظفين لا تستفيد من هذه التقنيات بالشكل الصحيح.
وخلال مشاركتها في مؤتمر فورتشن برينستروم المتخصص في الذكاء الاصطناعي، أوضحت آلي ميلر الرئيسة التنفيذية لشركة أوبن ماشين أن الذكاء الاصطناعي يمكن استخدامه بعدة أشكال متداخلة، منها أداة لإنجاز المهام البسيطة، أو مساعد شخصي، أو مفوض لتنفيذ الأعمال، أو عضو فعلي ضمن فريق العمل، ويعتمد ذلك على طريقة التفاعل معه والهدف من توظيفه داخل المؤسسة.
وبيّنت ميلر أن الغالبية العظمى من الموظفين تكتفي باستخدام الذكاء الاصطناعي في أبسط مراحله، كأداة لإنجاز المهام السهلة أو كمحرك بحث متطور، وهو ما يؤدي إلى إهدار جزء كبير من القدرات الحقيقية التي صممت هذه النماذج من أجلها.
وانتقدت ميلر الأسلوب السائد لدى كثير من العاملين في شركات التقنية، مشيرة إلى أنهم يتعاملون مع الذكاء الاصطناعي بعقلية البرمجيات التقليدية القديمة، عبر إدخال أوامر مباشرة وانتظار النتائج، دون الاستفادة من الطبيعة التفاعلية والمرنة التي تميز هذه التقنيات الحديثة.
ويغفل هذا النهج ما يقدمه الذكاء الاصطناعي من قدرة على الفهم والتكيف مع أسلوب المستخدم، إضافة إلى تطوره التدريجي كلما تكرر استخدامه وتحسنت طريقة التواصل معه، ما يجعله أكثر كفاءة بمرور الوقت.
وأشار التقرير إلى أن هذا الاستخدام المحدود ينعكس سلبا على خطط الشركات في تبني الذكاء الاصطناعي بصورة فعالة، كما يؤدي إلى إهدار وقت الموظفين وتقليل إنتاجيتهم بسبب سوء توظيف هذه الأدوات.
وتدعم هذه الخلاصة نتائج دراسة أجرتها شركة كورنرستون أون ديماند، كشفت أن نسبة كبيرة من موظفي الشركات في الولايات المتحدة يستخدمون تقنيات الذكاء الاصطناعي دون الحصول على تدريب فعلي يمكنهم من استغلال إمكاناتها الكاملة.
وترى ميلر أن القيمة الحقيقية للذكاء الاصطناعي تبدأ عندما يتحول من مجرد أداة مساعدة أو محرك بحث إلى شريك فعلي داخل فريق العمل، وهو المستوى الأكثر تطورا في استخدام هذه التقنية، حيث يصبح جزءا أساسيا من منظومة العمل اليومية داخل الشركات.
وفي هذا الإطار، يستطيع الذكاء الاصطناعي الوصول إلى نفس المعلومات المتاحة للموظفين، وتلقي الأوامر والطلبات، بل والمشاركة في اتخاذ القرارات التشغيلية، كما لو كان موظفا آخر داخل المؤسسة.
وأشار التقرير إلى أن شركة أوبن إيه آي بدأت فعليا في تطبيق هذا النموذج داخل بيئة عملها، من خلال دمج أدواتها البرمجية مع منصة سلاك الخاصة بالشركة، بما يسمح للموظفين بإرسال الأوامر والطلبات بشكل مباشر ضمن سير العمل اليومي.
وأكدت ميلر أن الوصول إلى الاستخدام الأمثل للذكاء الاصطناعي يتطلب تغييرا جذريا في طريقة التعامل معه، بحيث لا يقتصر دوره على تلقي التعليمات، بل يمتد إلى توجيه المهام وتوزيع العمل داخل الفرق، ما يعزز أداء الموظفين والشركة ككل بدلا من دعم الأفراد بشكل منفصل.
وترى أن هذا التحول يتحقق عبر التركيز على تحديد النتيجة النهائية المطلوبة من الذكاء الاصطناعي، بدلا من إغراقه بتفاصيل تنفيذية دقيقة، مع وضع حدود واضحة تحكم طريقة الوصول إلى هذه النتيجة.
وتوضح ميلر أن هذه المقاربة تدفع نماذج الذكاء الاصطناعي للعمل بمرونة أكبر لتحقيق الهدف المطلوب مع الالتزام بالقواعد المحددة، وهو ما ينعكس على دقة النتائج وجودتها.
وتشير أيضا إلى أن الذكاء الاصطناعي قد يتحول مستقبلا إلى ما يشبه موظفا بدوام كامل، قادرا على العمل لساعات طويلة بشكل مستقل دون الحاجة إلى تدخل بشري مباشر.
وفيما يخص طبيعة المهام القابلة للأتمتة، تنصح ميلر بتوزيع العمل بحسب أهميته، بحيث يتولى الذكاء الاصطناعي الجزء الأكبر من المهام غير الأساسية، إضافة إلى نسبة من المهام المعقدة، بينما تبقى المهام المحورية والحساسة التي تؤثر في مستقبل الشركات تحت إشراف بشري مباشر.
وتختتم ميلر بالتأكيد على أن الذكاء الاصطناعي ليس أداة جامدة أو بلا وعي، محذرة من أن الشركات التي تستمر في التعامل معه بهذه العقلية قد تجد نفسها مستقبلا أمام أسئلة صعبة حول فشلها في تبني هذه التقنية بالشكل الصحيح.

