في عالم يقدس العفوية والواقعية على منصات التواصل الاجتماعي، ظهر جيل جديد من المؤثرين لا يأكلون ولا ينامون ولا يخطئون، إنهم المؤثرون الافتراضيون، شخصيات رقمية صممت بواسطة خوارزميات الذكاء الاصطناعي لكنها تملك تأثيرا يتفوق أحيانا على البشر الحقيقيين.
صناعة المؤثر المزيف لا تبدأ بتصميم صورة جذابة فحسب، بل تتضمن بناء هوية سيكولوجية متكاملة، حيث يستخدم المطورون الذكاء الاصطناعي التوليدي لتحديد سمات الشخصية واهتماماتها وحتى مواقفها السياسية والاجتماعية. وتعتمد المحاكاة البصرية على تقنيات سي جي آي والتزييف العميق لتظهر الشخصيات بملامح بشرية فائقة الدقة، بما في ذلك عيوب بسيطة للبشرة لإضفاء لمسة واقعية تخدع العين.
تفضل العلامات التجارية هذا النوع من المؤثرين لثلاثة أسباب رئيسية، أولها السيطرة المطلقة، فالمؤثر الافتراضي لا يثير أزمات ولا يتورط في فضائح شخصية ولا يشيخ، ويعمل كسفير مثالي للعلامة التجارية ينفذ الأجندة التسويقية بدقة عالية. ثانيها التكلفة والإنتاجية، إذ يمكن للشخصية الرقمية التواجد في عدة أماكن حول العالم في الوقت ذاته، وتنفيذ حملات معقدة دون الحاجة لفرق سفر أو تجهيزات. ثالثها الاستجابة اللحظية، حيث يمكن لهذه الشخصيات بفضل نماذج اللغة الضخمة مثل جي بي تي التفاعل مع آلاف التعليقات في ثوان معدودة وبنفس نبرة الصوت والشخصية المحددة لها.
لكن الخطر لا يقتصر على الإعلانات، بل يمتد إلى قدرة هذه الشخصيات على هندسة الرأي العام، فهناك استخدام متزايد لها في نشر أخبار غير حقيقية عبر فيديوهات التزييف العميق، وإيهام الجمهور بزخم إعلامي حول أحداث وهمية، بالإضافة إلى خلق وهم الكثرة عندما تدعم جهة واحدة مئات المؤثرين برأي معين، فينجرف الجمهور البشري ظنا منهم أنه الاتجاه السائد.
تثير هذه الصناعة تساؤلات أخلاقية ونفسية، فهي تعزز معايير جمال وحياة مثالية مستحيلة، ما يزيد الشعور بالنقص لدى المتابعين الحقيقيين. كما يظل مستوى الشفافية منخفضا، فالكثير من المستخدمين يتفاعلون مع هذه الحسابات دون أن يعرفوا أنها مجرد كود برمجي، ما يجعل التلاعب العاطفي أمرا سهلا.
في عصر الذكاء الاصطناعي أصبحت الثقة سلعة نادرة، وصناعة المؤثرين الافتراضيين ليست مجرد بديل تسويقي، بل أداة لإعادة صياغة الحقيقة، ويصبح وعي المستخدم بأن ما يراه قد يكون سرابا رقميا هو الفارق بين التفاعل الواعي والوقوع فريسة لخوارزميات تسعى للربح أو التوجيه. وتشير التوقعات إلى أن سوق المؤثرين الافتراضيين سيتجاوز 12 مليار دولار بحلول نهاية هذا العام، محققا تحولا جذريا في اقتصاد المبدعين حيث تصبح القدرة على البرمجة والتصميم أهم من الموهبة الفطرية أو الجمال الطبيعي.

