تشهد ميادين الحروب تحولًا سريعًا مع توسع استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي داخل العمليات العسكرية، إذ بدأت الخوارزميات تؤدي دورًا متزايدًا في تحليل البيانات وتحديد الأهداف وتسريع اتخاذ القرارات القتالية. ويظهر هذا التحول بوضوح في الحرب الجارية على إيران، حيث تشير تقارير إلى أن الجيش الأمريكي نفّذ أكثر من ألفين ضربة خلال أربعة أيام فقط بوتيرة غير مسبوقة مقارنة بالحملات العسكرية السابقة.
ويعود هذا التسارع جزئيًا إلى أنظمة ذكاء اصطناعي قادرة على معالجة كميات ضخمة من بيانات الاستخبارات القادمة من الطائرات المسيّرة والأقمار الصناعية وأجهزة الاستشعار، ومن ثم توليد خيارات استهداف بسرعة تفوق بكثير الأساليب التقليدية المعتمدة على التحليل البشري، وفقًا لتقارير صحيفة فايننشال تايمز البريطانية.
نماذج الذكاء الاصطناعي التوليدي تدخل ساحة القتال، إذ تُعد الحملة العسكرية التي تقودها الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران أول استخدام ميداني واسع لهذه النماذج المتقدمة، وهي نفسها المستخدمة في تطبيقات روبوتات الدردشة الذكية. وتساعد هذه النماذج القادة العسكريين على تفسير البيانات المعقدة والتخطيط للعمليات العسكرية وتقديم تغذية راجعة فورية أثناء سير المعارك.
وخلال العامين الماضيين، وسّعت وزارة الدفاع الأمريكية دمج تقنيات الذكاء الاصطناعي في بنيتها التشغيلية، ويُعد نظام Maven Smart System الذي تطوره شركة بالانتير المنصة الأساسية لتحليل بيانات البنتاغون، إذ يعمل بالتكامل مع نموذج Claude لتشكيل لوحة تحليل بيانات لحظية تدعم العمليات العسكرية. ويعمل هذا النظام خلال العمليات بوصفه العقل البرمجي الذي يدير تدفق البيانات ويحوّلها إلى قرارات عملياتية.
ويقول لويس موسلي، رئيس عمليات بالانتير في أوروبا والمملكة المتحدة، إن أبرز تطور في النماذج الحديثة هو انتقالها من مجرد تلخيص المعلومات إلى القدرة على الاستدلال والتحليل المنطقي، وتتيح هذه القدرة للأنظمة الذكية تحليل المشكلات خطوة بخطوة، مما أدى إلى زيادة كبيرة في عدد القرارات العسكرية التي يمكن اتخاذها بسرعة خلال العمليات المعقدة.
تسريع الاستهداف، تدعم أنظمة الذكاء الاصطناعي ما يُعرف عسكريًا بسلسلة القتل، وتشمل العملية تحديد الهدف وتقييمه ثم اختيار السلاح المناسب وضربه وأخيرًا تقييم الأضرار الناتجة. وفي السابق كانت هذه العملية تتطلب إعداد تقارير ومراجعتها من قادة عسكريين كبار، مما قد يستغرق ساعات أو حتى أيامًا، أما اليوم فتسعى الأنظمة المدعومة بالذكاء الاصطناعي إلى تقليص هذه المدة إلى دقائق أو ثوانٍ.
وتشير أبحاث أكاديمية إلى أن نماذج اللغة الكبيرة، وهي التقنية التي تقوم عليها أنظمة مثل Claude و ChatGPT، قادرة على توليد قوائم أهداف أكبر بكثير مقارنة بالطرق التقليدية، وتقول صوفيا جودفريند الباحثة في تقنيات الحرب بجامعة كامبريدج إن هذه الأنظمة تسمح للجيوش بالعمل بسرعة ونطاق غير مسبوقين في عمليات الاستهداف الجوي.
ولا يقتصر دور الذكاء الاصطناعي على تحليل البيانات فقط، بل يشمل أيضًا تقنيات مثل الرؤية الحاسوبية والملاحة الذاتية، إذ يمكن لبرامج التعرف على الصور تحليل لقطات الطائرات المسيّرة لتحديد منصات إطلاق الصواريخ الباليستية أو الأهداف العسكرية الأخرى بسرعة أكبر بكثير مما كان ممكنًا سابقًا، عندما كان الجنود يضطرون لمراجعة ساعات طويلة من مقاطع الفيديو يدويًا.
ومع ذلك، يثير انتشار هذه التقنيات قلقًا متزايدًا من تراجع الرقابة البشرية على القرارات القتالية، وقد تصاعد الجدل بعد خلاف بين شركة أنثروبيك والبنتاغون حول حدود استخدام الذكاء الاصطناعي العسكري، كما أعادت حادثة قصف مدرسة ابتدائية للبنات في ميناب جنوب إيران تسليط الضوء على أخطار الاستهداف السريع أو غير الدقيق، وأسفرت الحادثة عن مقتل عشرات الطالبات والمعلمين في ما قد يعتبر جريمة حرب، ولا يعفي استخدام التقنيات الذكية المسؤولين من المسؤولية الجنائية والأخلاقية.
يشير باحثون في القانون الدولي الإنساني إلى أن الذكاء الاصطناعي قد يزيد قدرة الجيوش على تحديد أهداف أكبر بكثير مقارنة بالحروب السابقة، سواء عبر تحليل بيانات سابقة أو توليد أهداف جديدة بسرعة، ويطرح هذا تطورات أسئلة صعبة حول إمكانية تتبع قرارات الأنظمة الذكية خاصة عندما تقوم بعشرات الملايين من العمليات الحسابية في الثانية. ويحذر خبراء من أن صناع القرار قد يجدون صعوبة في التشكيك في توصيات هذه الأنظمة بسبب تعقيدها وحجم البيانات التي تعتمد عليها.
ويرى بعض الباحثين أن إدماج الذكاء الاصطناعي في العمليات العسكرية قد يغيّر طبيعة الحروب جذريًا عبر تسريع الاستهداف وزيادة نطاق العمليات، كما يشير الخبراء إلى احتمال استخدام أسراب ضخمة من الطائرات المسيّرة منخفضة التكلفة لتعقب الخصوم واستهدافهم على نطاق واسع. ولهذا تتزايد الدعوات لوضع قواعد دولية لتنظيم استخدام الذكاء الاصطناعي في الحروب، بما في ذلك فرض قيود على الأسلحة الذاتية القاتلة أو حظرها مستقبلاً.
كما يرى بعض الخبراء أن اتفاقًا بين القوى الكبرى في مجال الذكاء الاصطناعي، وعلى رأسها الولايات المتحدة والصين، قد يشكّل خطوة أولى للحد من انتشار هذه التقنيات في ساحات القتال، في وقت تتسارع فيه وتيرة إدماج الذكاء الاصطناعي في النزاعات العسكرية حول العالم.

