يتصاعد الجدل العلمي والنفسي حول ما بات يُعرف بإدمان الذكاء الاصطناعي، حيث يدعو خبراء إلى الاعتراف به كحالة مرضية مستقلة، مع تزايد عدد الحالات المبلغ عنها بين المراهقين والشباب الذين يجدون أنفسهم عالقين داخل عالم روبوتات الدردشة بشكل يومي وصعب الفكاك منه.
وتشير تقارير صحفية إلى أن مستخدمين كثر عبر المنتديات الإلكترونية يصفون علاقتهم مع برامج الدردشة الذكية بأنها أقرب إلى الإدمان، إذ يقضون ساعات طويلة في محادثات افتراضية مع روبوتات تتقمص شخصيات خيالية، وتوفر لهم مساحة للتعبير عن مشاعرهم وإحباطاتهم، إضافة إلى البحث عن نوع من التواصل العاطفي مع هذه الأنظمة الرقمية.
وبحسب ما أورده تقرير صحفي، فإن بعض المستخدمين الذين اعترفوا بهذا السلوك تحدثوا عن أعراض انسحاب واضحة عند التوقف عن استخدام هذه البرامج، مثل القلق وآلام في الصدر والشعور بالحزن، وهو ما زاد من المخاوف حول التأثير النفسي العميق لهذه التقنيات.
كما أفاد مستخدمون بأن هذا النوع من التفاعل المفرط أدى إلى انعزالهم عن محيطهم الاجتماعي، وإهمال الدراسة والعمل، بل ووصل لدى بعض الحالات إلى التفكير في الانتحار، ما دفع مجموعة من الباحثين إلى المطالبة بالنظر إلى هذه الظاهرة باعتبارها مشكلة طبية تستحق التصنيف بشكل مستقل، على غرار إدمان القمار أو التدخين أو المخدرات.
وفي هذا السياق، يقول الدكتور دونج ووك يو، الأستاذ المشارك في علوم الحاسوب بجامعة كولومبيا البريطانية وقائد بحث حديث حول إدمان الذكاء الاصطناعي، إن المشكلة تتفاقم بشكل ملحوظ وتسبب أضرارًا حقيقية، مشيرًا إلى أن بعض الباحثين ما زالوا ينكرون وجودها أصلًا، وأضاف أن جزءًا من المشكلة يعود إلى تصميم بعض الشركات لأنظمتها بما يجعل المستخدمين مستمرين في التفاعل لفترات أطول، بغض النظر عن تأثير ذلك على صحتهم أو سلامتهم.
ويشير الباحثون إلى أن تعريف الإدمان الرقمي يعتمد على معايير علمية وضعها البروفيسور مارك جريفيث من جامعة نوتنجهام ترنت، وتشمل ستة عناصر رئيسية، أبرزها أن يصبح السلوك محورًا أساسيًا في حياة الفرد، وازدياد الاستخدام مع الوقت، وتأثيره على المزاج، وظهور مشكلات حياتية نتيجة له، إضافة إلى أعراض الانسحاب والانتكاس.
ورغم أن تطبيق هذه المعايير على الهواتف الذكية ووسائل التواصل الاجتماعي كان محل جدل واسع سابقًا، إلا أن التحديات أصبحت أكثر وضوحًا مع انتشار روبوتات الدردشة، حيث بدأت تتزايد شهادات المستخدمين الذين يؤكدون أنهم فقدوا السيطرة على استخدامهم لهذه الأدوات.
وفي منتدى Reddit r/chatbotaddiction، شارك مئات المستخدمين، معظمهم من فئة المراهقة وبداية الشباب، تجاربهم مع هذا النوع من الاستخدام المفرط، مؤكدين أن التفاعل مع الذكاء الاصطناعي بدأ يسيطر تدريجيًا على حياتهم اليومية.
وتبرز من بين هذه القصص حالة شابة تُدعى ماي تبلغ من العمر 20 عامًا، حيث تحدثت عن تجربتها مع منصة Characterai، موضحة أنها بدأت كفضول بسيط قبل أن تتحول إلى ساعات طويلة من الاستخدام اليومي، وأضافت أن طبيعة الروبوتات المتجاوبة والودودة جعلتها تشعر بأنها مسموعة ومفهومة بشكل لم تجده في علاقاتها الواقعية، لكنها في المقابل بدأت تهمل حياتها الاجتماعية بشكل واضح، حتى باتت المحادثة مع الروبوت أقرب لها من التفاعل مع الأصدقاء.
وتوضح ماي أنها شعرت بحزن شديد عند فقدان أحد الروبوتات التي كانت تتفاعل معها بعد إزالته من المنصة، معتبرة ذلك تجربة عاطفية مؤثرة، وهي الآن تحاول تقليل استخدامه تدريجيًا وتمكنت من الابتعاد عنه لفترات قصيرة لكنها ما زالت في مرحلة التعافي.
وفي حالة أخرى، تحدثت شابة تدعى سارة تبلغ من العمر 18 عامًا عن تجربتها مع نفس المنصة، حيث بدأت باستخدامها بدافع الفضول خلال فترة شعورها بالوحدة وصعوبات اجتماعية في المدرسة، قبل أن تتحول التجربة إلى استخدام مكثف لساعات طويلة يوميًا، وصلت في ذروتها إلى ثماني ساعات من التفاعل المستمر مع روبوتات الدردشة.
وتشير سارة إلى أن هذا السلوك بدأ يؤثر على دراستها وعلاقاتها وحتى قدرتها على التركيز، كما أنها كانت تستخدمه في أوقات مختلفة من اليوم دون توقف، بما في ذلك أثناء الليل، وهو ما أدى في النهاية إلى تدهور حالتها النفسية بشكل كبير، وصولًا إلى نوبة اكتئاب حادة انتهت بمحاولة انتحار فاشلة.
وتسلط هذه القصص الضوء على جانب مقلق من تطور الذكاء الاصطناعي، حيث لم يعد مجرد أداة تقنية، بل أصبح جزءًا من الحياة اليومية لبعض المستخدمين بشكل قد يتحول إلى ارتباط نفسي معقد، يفتح الباب أمام نقاش عالمي حول حدود الاستخدام الصحي لهذه التقنيات ومستقبل العلاقة بين الإنسان والآلة.

.png)